عفيف الدين التلمساني
256
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : كل ما على التراب من التراب ، فانظر إلى التراب تذهب عما هو منه وتر ما قلّبه عن عينه في مرأى العيون له فلا تخطفك عيونه ) . قلت : هذا إرشاد إلى طريق معرفة وحدانية الكثرة ، فإن رؤية الكثير واحد أصعب . فقال له أليس كل ما على التراب فهو من التراب ؟ فالتقدير أنه يقول نعم . فقال له : ما قيمة ما من التراب إلا قيمة التراب ؟ ثم أمره أن ينظر إلى ما قلب التراب فصيره معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا ، فإنه لا يجده إلا كيفيات عارضة له منه بأمر ربه تعالى . وتلك الكيفيات أكثرها اعتباريات ، ومن اعتبر هذا الاعتبار لم تخطفه الكثرة ، بل تعرف أن ما كان من التراب فهو تراب ، فلم ينخطف عقله بما تعلق به ، وأكثر الناس مخطوفون في هذا المحل . قوله : ( وقال لي : اتخذ أعوانا لتقلّب عينك فإذا لم تنقلب عينك فلا أعوان ) . قلت : أمره أن يستعين ببني نوعه البالغين مبلغ المعرفة ليعينوه على إدراك وجه الحق في مسألة انقلاب الأعيان ، وهو كون غير التراب يعيد أنواعا من المولدات . فأما إذا أدرك بذاته أو بمعونة من غيره أن غير التراب لم يتغير عن ترابيتها وأن صور المولدات هي صور التراب ظهرت منه فيه بتقدير العزيز العليم ، فإنه إذ ذاك يستغني عن الأعوان ويرى وحدانية الوجود في الأكوان ، ويجد نفس الرحمن من قبل يمن الإيمان . قوله : ( وقال لي : لا يكون لا أعوان حتى يكون لا زمان ولا يكون لا زمان حتى يكون لا أعيان ولا يكون لا أعيان حتى لا تراها وتراني ) . قلت : قد ذكر له علامة من لم تخطفه هذه الصور المختلفات عن شهود وحدانية الذات بأن قال له شرط غناك عن الأعوان أن يصححوا لك العيان هو أن تشهد وحدانية هذه المولدات الثلاث شهودا ترى معه أن الزمان إنما هو في الأذهان وليس هو في الخارج ، ثم إنه لا يصح أن يكون لا زمان وأنت ترى الأعيان في الخارج فإنه برفع الزمان يرتفع صحبته الأعيان ، ثم إنه لا ترتفع رؤية الأعيان إلا بشهود الحق وحده فلا يرى شيئا غيره فتراه إذن وحده ، وذلك هو قوله حتى لا تراها وتراني حتى تراني ولا تراها فأكون وحدي فذلك علامة الغنى عن الأعوان .